العلاج بالتبريد في مجال الرياضة - أنواعه، أثاره وفوائده العديدة
لطالما استخدم البشر قوى البرد الطبيعية لتسكين الآلام وتسريع الشفاء، بدءا من وضع الثلج على الكدمات وصولا إلى الغطس في الأنهار المتجمدة. لكن في العصر الحديث، تطور هذا المفهوم ليصبح تكنولوجيا متقدمة تُعرف باسم العلاج بالتبريد (Cryotherapy).
![]() |
| فوائد العلاج بالتبريد للرياضيين. |
هذا العلاج ليس مجرد اتجاه عابر، بل هو أداة علمية متطورة يستخدمها النخبة الرياضية لتسريع عودة الجسم إلى حالته المثلى. هذا التبريد القسري للجسم يُحدث سلسلة من الاستجابات الفسيولوجية التي لا تساعد فقط في تخفيف الألم، بل تلعب دورا حيويا في إدارة الالتهابات وتعزيز الدورة الدموية. في هذا المقال الشامل، سنغوص في الآليات العلمية لفوائد العلاج بالتبريد، وكيف يمكن لهذه "الصدمة الباردة" أن تكون سرك للحصول على أداء خارق واستشفاء أسرع.
العلاج بالتبريد: مفهومه ونشأته
يعتبر العلاج بالتبريد من الوسائل المستخدمة حديثا وعلى نطاق واسع في ميدان الرياضة، حيث يتم استخدام الثلج أو الماء البارد كعلاج لتخفيف الألم في حالة التعرض لإصابة أو لتسهيل التعافي بعد ممارسة النشاط البدني، وذلك عن طريق تعريض الجسم لدرجة حرارة شديدة البرودة، باستخدام أكياس أو قطع من الثلج داخل وعاء، وإما استعمال حمامات باردة .
وقد ظهرت هذه الطريقة الجديدة في العلاج في دولة اليابان سنة 1978، والتي تتمثل في تعريض الشخص لهواء شديد البرودة ولفترة وجيزة تبلغ حوالي 180 درجة مئوية، وذلك عن طريق الدخول إلى غرفة العلاج بالتبريد إما لكامل الجسم أو جزء منه فقط. مع الاشارة أن هذا العلاج ليس مجرد وسيلة لتبريد الجسم، بل إنه تحفيز قوي للجهاز العصبي والدوري، يعد الرياضيين للبطولات ويساعد الأشخاص العاديين على التغلب على الالتهابات والأمراض المزمنة.
أنواع العلاج بالتبريد:
العلاج بالتبريد ليس مجرد وضع كيس ثلج على موضع الإصابة. لقد تطور ليصبح منهجية علاجية متقدمة تُستخدم في مجالات واسعة تشمل:
أولا: العلاج بالتبريد للجسم بكامله
العلاج بالتبريد لكامل الجسم والذي يمكن أن يشمل كل من الرأس والقدمين واليدين والأنف والفم والأذني، حيث تتم حصة العلاج بالتبريد لكامل الجسم في غرفة مغلقة قادرة على استيعاب عدة أشخاص، تكون مدة العلاج في هذه الحالة وجيزة لا تتعدى ثلاث دقائق كحد أقصى وفي مراحل متعددة، وقد تتراوح درجة الحرارة مابين 10 و60 درجة مئوية بعد مرحلة وفي مرحلة أخرى يمكن أن تصل إلى 100 درجة مئوية.
وبالتالي، فإن التكييف يكون لكامل الجسم مع تدرج مستوى الحرارة ، لذلك ينصح باللجوء للحركة الدائرية حول الغرفة، وذلك لتجنب خطر انخفاض حرارة الجسم والتعرض لشدة الحرق .
ثانيا: العلاج بالتبريد للجسم جزئيا
يغمر الجسم بأكمله باستثناء الرأس والعنق في وعاء من الثلج أو في الماء البارد وتكون المدة جد قصيرة قد تصل إلى 3 دقائق عبر مراحل، من خلال استخدام حصص للعلاج بالتبريد الجزئي للجسم على نطاق أوسع مقارنة مع العلاج بالتبريد لكامل الجسم، مما يساعد ذلك على احتواء شدة البرودة وتركيزها داخل الوعاء لفترة طويلة .
في هذه الحالة ، يتم تبريد الهواء عن طريق تبخر النيتروجين السائل، بخلاف العلاج بالتبريد لكامل الجسم الذي لا يتم فيه توزيع البرد بالتساوي ، لأن النيتروجين يكون أثقل من الهواء. وبذلك يتعرض الجسم لدرجة حرارة متوسطة تتراوح مابين بين 100 و150 درجة مئوية وقد تصل أحيانا إلى 180 درجة مئوية.
آثار العلاج بالتبريد على الجسم:
يعتمد العلاج بالتبريد على وضع الجسم في صدمة حرارية معينة، مما يؤدي إلى إنخفاظ في درجة حرارة الجسم الخارجية بشكل كبير، ما يقارب حوالي 30 درجة وتنخفض بذلك درجة الحرارة الداخلية أحيانا بمقدار درجة واحدة، فينتج عن ذلك تباطأ في معدل ضربات القلب، ويتم تخدير مستقبلات الألم وتكون النبضات العصبية أبطأ، كما يتم إطلاق الإندورفين والجزيئات المضادة للالتهابات، ويرتفع بذلك ضغط الدم، وبعد نهاية حصة التبريد تتوسع الأوعية الدموية، مما يؤدي إلى إمداد أنسجة الجسم بالأكسجين.
الآثار المضادة للالتهابات من العلاج بالتبريد:
تسبب ممارسة الرياضة تلفا في العضلات وتثير استجابة التهابية في الجسم، من خلال التسبب في انخفاض مفاجئ في درجة حرارة الجلد، فيؤدي العلاج بالتبريد إلى تشديد الأوعية الدموية السطحية.
هذا التضيق الوعائي يقلل من تدفق الدم ويحد من الظواهر الالتهابية، حيث أظهر الباحثون في هذا الشأن أن جلسة واحدة من العلاج بالتبريد قادرة على تقليل الالتهاب بعد 48 دقيقة من الجري على جهاز المشي، ومحاكاة الجري في الهواء الطلق مع اختلافات في الشدة.
مما تحفز الرسائل الالتهابية مستقبلات الألم وتساهم في الإحساس بهذا الألم، وبالتالي فإن الحد من وجودها له تأثيرات مسكنة. وفي هذا الصدد، يمكن أن يمثل العلاج بالتبريد بديلا لاستخدام العقاقير المضادة للالتهابات غير الستيرويدية التي تضر بصحة الأمعاء لدى الرياضيين.
آثار العلاج بالتبريد على الهرمونات:
يمكن أن يفيد العلاج بالتبريد للجسم كليا أو جزئيا في الأداء البدني ، عن طريق تعديل إنتاج بعض الهرمونات ، وهو ما أكدته بعض الدراسات والأبحاث التي تمت في الموضوع، واعتبرت أن هناك تأثيرات ملحوظة على هرمون التستوستيرون، مقارنة بالحالة بدون العلاج بالتبريد.
وبالمقابل ، يبدو أن العلاج بالتبريد قادر على الحد من ارتفاع مستويات الكورتيزول في المستويات العالية جدا من هرمون التوتر هذا، وبالتالي سيكون لها تأثير سلبي على الأداء البدني.
فوائد العلاج بالتبريد بعد ممارسة الرياضة:
كل رياضي، من عداء الماراثون إلى رافع الأثقال، يواجه العدو المشترك، المتمثل في الألم العضلي المتأخر (DOMS) والإرهاق بعد التمرين المكثف. إن مفتاح تحقيق النمو العضلي وتحسين الأداء يكمن في مدى سرعة وكفاءة عملية الاستشفاء (Recovery). في هذا السباق ضد الإرهاق، ظهرت تقنية تحت الأضواء سميت العلاج بالتبريد (Cryotherapy) التي تحمل في طياتها مجموعة من الفوائد لا تعد ولاتحصى، منها:
الفائدة الأولى: التعافي بسرعة
من الفوائد التي تم استخلاصها من العلاج بالتبريد والصدمة الحرارية التي يولدها، هي التعافي بعد المجهود البدني، حيث يساعد ذلك على التغلب على تلف العضلات، وخاصة مع الرياضيات التي تتطلب مجهود بدني كثيف كرياضة الماراتون على سبيل المثال ، لذا يمكن أن يكون العلاج بالتبريد وسيلة فعالة للتعافي بسرعة أكبر.
وهذا ما أظهرته بعض الأبحاث الفرنسية في هذا الخصوص، و أكدت مدى فعالية التعافي بالتبريد إلى جانب العديد من طرق التعافي الأخرى لدى فئة الرياضيين، وخاصة بعد ممارسة النشاط البدني المكثف كمنافسة الجري على سبيل المثال ، على اعتبار أن العلاج بالتبريد لكامل الجسم، إضافة إلى التعرض للأشعة تحت الحمراء البعيدة (أشعة الضوء غير المرئية ) التي تسخن الجسم ، تساهمان بشكل كبير على التعافي بسرعة.
الفائدة الثانية: التخفيف من الألم
يعد العلاج بالتبريد طريقة جيدة للغاية، للمساعدة في تقليل الألم بنفس طريقة استخدام المسكنات، ولكن في بعض الأحيان بدرجة أكبر، وذلك بفضل تأثير التخدير البارد على الجسم ، مما تدفع الصدمة الحرارية إلى إطلاق جزيئات مضادة للالتهابات.
لذلك، يعتبر العلاج بالتبريد مفيد كعنصر مكمل مع الموجات فوق الصوتية وموجات الصدمة على وجه الخصوص ، ليتم تسهيل إعادة التأهيل بعد الصدمة مثل حدوث التواء أو التهاب للأوتار وغيرها . وبفضل زيادة تدفق الدم، سيؤدي ذلك أيضا إلى تقليص وقت الشفاء بعد الخضوع للجراحة.
الفائدة الثالثة: تحسين المزاج
يعد العلاج بالتبريد عاملا مساعدا على تحسين مزاج الشخص وخاصة بعد الانتهاء من الحصص العلاجية، كما أنه يعد من المحفزات المساعدة على النوم والشعور بالارتياح ، ويظهر ذلك بشكل واضح بعد نهاية الحصة.
الفائدة الرابعة: يحسن النوم
يعد العلاج بالتبريد قادرا على مكافحة إرهاق الرياضيين الذين يخضعون لتدريب مستمر من خلال تحسين نوعية نومهم ، وخاصة بالنسبة للرياضيين رفيعي المستوى خلال المنافسات الوطنية والدولية، حيث أكدت الدراسات والأبحاث في هذا الصدد ، أن العلاج بالتبريد بعد التدريب أو المنافسة يساعد على تحسين نوعية النوم الملموسة بنسبة كبيرة ، ويحد أيضا من أعراض التعب والارهاق.
الفائدة الخامسة: يحد من تلف العضلات
يعد العلاج بالتبريد قبل التدريب أسلوبا وقائيا للحد من تلف العضلات ، وهذا ما أكدته بعض الدراسات التي تم إجراءها بهذا الخصوص والتي أظهرت أن التخفيف للإجهاد التأكسدي ، يتم من خلال جلسات العلاج بالتبريد. وعلى الرغم من هذه النتائج، تجدر الإشارة إلى أن الإجهاد التأكسدي ليس سلبيا فقط. وهي إحدى الإشارات التي تحفز التكيف، وبالتالي فهي تشارك في التقدم أثناء ممارسة الرياضة.
وبناء عليه، فإن طرق العلاج بالتبريد الجديدة لها تأثير مفيد على الجسم في سياق الممارسة الرياضية، إلا أنها لا توفر دائما فوائد إضافية مقارنة بطرق العلاج بالتبريد الأخرى، والتي تكون أقل تكلفة وأسهل في التنفيذ .
خاتمة:
يُعد العلاج بالتبريد بعد ممارسة الرياضة أداة قوية، تحول الصدمة الباردة إلى استجابة فسيولوجية مثالية لتسريع الاستشفاء. من خلال تضيق الأوعية، يتم التحكم في الالتهاب والتورم، يليه تدفق الدم النظيف الذي يغذي العضلات لإصلاح سريع وفعال. سواء اخترت حماما جليديا بسيطا أو غرفة تبريد متقدمة، فإن دمج البرودة في روتينك يسمح لك بتقليل ألم العضلات المتأخر، وتحسين نوعية نومك، والعودة إلى تدريبك التالي بأقصى قدر من القوة والجهوزية.
تحليل المقال
..
متواجدون
...
مشاهدات
...
كلمات
0
قراءة
0 د
نشر
01/12/2023
تحديث
06/10/2025
