قراءة في تشكيلة أسود الأطلس بين الخبرة المونديالية والدماء الشابة:
في الوقت الذي كان فيه الشارع الرياضي المغربي يستعد لتثبيت مقولة النية مع وليد الركراكي، فاجأ الاتحاد المغربي لكرة القدم العالم بقرار تاريخي قبل أشهر قليلة من انطلاق مونديال 2026 وهو رحيل الركراكي عن تدريب المنتخب المغربي.
لم يكن مجرد تغيير مدرب، بل كان إعلانا عن نهاية حقبة ذهبية وبداية عصر جديد يقوده المدرب الصامت محمد وهبي. هذا الرجل الذي صعد من الظل، حاملا معه فلسفة تكتيكية تزاوج بين الانضباط الأوروبي والروح المغربية، يجد نفسه اليوم أمام التحدي الأكبر ألا وهو الحفاظ على إرث رابع العالم ويذهب أبعد في ملاعب الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك؟ وبالتالي، فإن المنتخب المغربي اليوم يدخل مرحلة الاستمرارية المتطورة، حيث يسعى الجهاز الفني تحت قيادة محمد وهبي (الذي تسلم المشعل لمواصلة المشروع)، إلى تحديث الآلة الهجومية مع الحفاظ على الهوية الدفاعية التي ميزت الأسود.
محمد وهبي.. المدرب الذي يحمل مفاتيح المستقبل
يعد محمد وهبي من الكفاءات المغربية التي صقلت موهبتها في بلجيكا وأوروبا وبروزه مع المنتخبات السنية المغربية جعل منه الخيار المنطقي والجسور في آن واحد. وهبي يميل إلى كرة قدم هجومية أكثر مرونة، تعتمد على الاستحواذ الإيجابي والضغط العالي، وهو ما قد يغير شكل المنتخب الذي اعتاد على التكتل الدفاعي والارتداد السريع. في مونديال 2026، من المتوقع أن يراهن وهبي على مزيج من الحرس القديم الذي يمتلك الخبرة، والدماء الجديدة التي أشرف عليها بنفسه في منتخب الشباب والأولمبي.
لذا، فإن التشكيلة المتوقعة لكأس العالم 2026 ستعتمد على نظام هجين يمزج بين صلابة الركائز الأساسية التي حققت ملحمة قطر 2022، وبين حيوية الأسماء الصاعدة التي أبهرت العالم في الفئات السنية. وهو ما أكده المدرب محمد وهبي في تصريحاته الأولى، حيث اعتبر أن المعيار الوحيد في اختيار اللاعبين هو الأداء والجاهزية، لكن الضغوط الجماهيرية تميل نحو رؤية دماء جديدة، خاصة في مراكز معينة بدأت تعاني من التراجع البدني.
فلسفة المدرب الجديد: لماذا التركيز على الشباب؟
يرتكز نهج محمد وهبي على مبدأ الجاهزية والنمو المستدام. فالمدرب الجديد يدرك أن وتيرة كأس العالم في نسختها الموسعة تتطلب لياقة بدنية عالية وقدرة على المداورة. لذا، لم يكن مستغرباً أن يتجه نحو الأسماء التي تألقت في مونديال الشباب بالشيلي، معتبراً إياهم النواة الصلبة لمستقبل الأسود. هذا التوجه يهدف إلى تقليل معدل أعمار المنتخب، مما يمنحه سرعة أكبر في التحولات الهجومية وصلابة في الضغط العالي.
1- حراسة المرمى: صمام الأمان والخبرة التي لا تشيخ
يظل مركز حراسة المرمى في مأمن بوجود الأخطبوط ياسين بونو. رغم تقدمه في السن، إلا أن بونو أثبت أن الحراس الكبار يزدادون بريقا مع الوقت. خلفه، يبرز منير المحمدي كبديل جاهز دائما، لكن المثير للاهتمام هو بروز أسماء شابة مثل المهدي الحرار وحراس من البطولة الاحترافية مثل رضا التكناوتي الذي استعاد توهجه، مما يضمن للمغرب استقراراً في هذا المركز الحساس لسنوات قادمة.
2- خط الدفاع: جدار برلين بنكهة مغربية
يعد خط الدفاع هو العمود الفقري لأي طموح مونديالي. في 2026، سنرى نضجا غير مسبوق في هذا الخط:
- أشرف حكيمي: القائد الفعلي داخل الملعب، والذي سيمثل في 2026 قمة نضجه الكروي كأحد أفضل الأظهرة في تاريخ كرة القدم.
- نايف أكرد: صخرة الدفاع الذي يمنح الأمان في الكرات العالية وبناء اللعب من الخلف.
- نصير مزراوي: الجوكر الذي يمنح الحلول في الرواقين الأيمن والأيسر، وبات عنصراً لا غنى عنه بتجربته الكبيرة في الدوري الإنجليزي والألماني سابقا.
- شادي رياض وآدم أزنو: هما رهان المستقبل. أزنو، خريج مدرسة بايرن ميونخ، يمثل الحل السحري لمعضلة الظهير الأيسر الكلاسيكي التي أرقت المغاربة لسنوات.
من المتوقع بزوغ نجم آدم أزنو بشكل أكبر، خاصة مع حاجة المنتخب لظهير أيسر عصري، بالإضافة إلى إمكانية الاعتماد على عمر الهلالي كخيار دفاعي صلب.
3- وسط الميدان: محرك الطائرة المغربية ومهندس العمليات
هنا يكمن سحر أسود الأطلس. خط الوسط المغربي في 2026 سيجمع بين الرئة التي لا تتوقف والعقل الذي يخطط:
- عز الدين أوناحي: يمثل حلقة الوصل المثالية، فهو يمتلك القدرة على كسر الخطوط بالتمرير والمراوغة، بلمساته الساحرة وقدرته على المراوغة في مساحات ضيقة، سيظل أوناحي هو ترمومتر الأداء المغربي.
- إبراهيم دياز: النجم الذي اختار قلبه، سيكون هو القطعة الناقصة في تشكيلة 2022. دياز يمنح المنتخب المغربي بعدا عالميا في صناعة اللعب والقدرة على التسجيل من أنصاف الفرص.
- نيل العيناوي: الوافد الجديد الذي قد يكون مفاجأة التشكيلة، لقدرته الهائلة على كسب الصراعات البدنية ونقل الكرة بسرعة.
- بلال الخنوس: الموهبة التي ستبلغ قمة العطاء في 2026، مما يمنح المدرب دكة بدلاء مرعبة قادرة على تغيير مجرى أي مباراة.
قد نرى أيضا دوراً أكبر للاعبين مثل إسماعيل صيباري وأسامة تيرغالين، اللذين تألقا بشكل لافت تحت قيادة وهبي في الفئات الصغرى، مما يمنح الوسط حيوية أكبر وقدرة على التحول السريع.
4- الهجوم: فتاكة الأجنحة والبحث عن القناص المثالي
المعضلة التي طالما واجهت المنتخب المغربي هي النجاعة الهجومية. في 2026، التوقعات تشير إلى تنوع كبير:
- يوسف النصيري: المهاجم التاريخي الذي يظل الخيار الأول في الكرات الرأسية والضغط العالي على المدافعين.
- أيوب الكعبي: القناص الذي لا يخطئ المرمى، وسيكون ورقة رابحة خاصة في المباريات التي تتطلب كثافة داخل منطقة الجزاء.
- حكيم زياش: الساحر الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وخاصة في الكرات الثابتة والتمريرات العرضية القاتلة، رغم تقدمه في السن إلا أن دوره القيادي أساسي.
كما يعد كل من إلياس أخوماش وعبد الصمد الزلزولي الجناحان اللذان يراهن عليهما وهبي لضرب الدفاعات بالسرعة والمهارة، مما يشير إلى أن الهجوم سيكون شبابيا بامتياز في المونديال القادم.
5- الثلاثي المرعب: باعوف، الزابيري، ومعاما تحت المجهر
عند الحديث عن التشكيلة المتوقعة للمنتخب المغربي، تبرز ثلاثة أسماء أصبحت حديث الساعة في الأوساط الرياضية، وهي التي تمثل العمود الفقري لمشروع وهبي:
- إسماعيل باعوف: يُعتبر إسماعيل باعوف، مدافع أندرلخت وكامبور المتألق، القطعة المفقودة في دفاع الأسود. يتميز باعوف بطول قامة فارع وقدرة فائقة على بناء اللعب من الخلف، وهو ما يفتقده المنتخب في بعض الأحيان. وهبي يرى في باعوف خليفة شرعيا لمهدي بنعطية، ومن المتوقع أن يكون أساسيا بجانب نايف أكرد لتشكيل جدار عازل أمام الخصوم.
- ياسر الزابيري: بعد معاناة طويلة في مركز رأس الحربة، يبرز ياسر الزابيري كحل سحري. الزابيري ليس مجرد مهاجم صندوق، بل هو لاعب متحرك يجيد الهروب من الرقابة والتسجيل من أنصاف الفرص. تألقه اللافت في الفئات السنية جعله الخيار الأول لوهبي لتعويض التقدم في السن لبعض المهاجمين الحاليين أو على الأقل ليكون الورقة الرابحة القادرة على تغيير مجرى المباريات.
- عثمان معاما: في وسط الميدان، يظهر اسم عثمان معاما كلاعب يمتلك رؤية ثاقبة للملعب. معاما يمتلك DNA الكرة المغربية، مهارة فردية عالية، دقة في التمرير وقدرة على الربط بين الدفاع والهجوم بسلاسة. تواجده في التشكيلة المتوقعة سيعطي سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي حرية أكبر في التحرك، مما يجعل وسط ميدان المغرب من بين الأقوى في البطولة.
رغم التفاؤل، إلا أن الطريق ليس مفروشا بالورود. يواجه وهبي بالدرجة الأولى تحدي عامل الوقت لدمج هؤلاء الشباب مع العناصر الخبيرة. كما أن الضغط الجماهيري للمطالبة بنتائج فورية قد يشكل عبئا على اللاعبين الصغار. ومع ذلك، فإن المباريات الودية القادمة ضد الإكوادور والباراغواي ستكون الاختبار الحقيقي لمدى انسجام هذه التشكيلة الثورية.
خاتمة:
باختصار، يدخل المنتخب المغربي مونديال 2026 وهو يحمل على عاتقه إرثا ثقيلا وطموحات لا سقف لها، معتمداً على مزيج احترافي بين الخبرة العالمية والمواهب الشابة الصاعدة. التشكيلة المتوقعة تعكس نضجا تكتيكيا كبيراً وقدرة على المنافسة في أعلى المستويات، مما يجعل أسود الأطلس رقما صعبا ومرشحا للذهاب بعيداً في العرس العالمي.
تحليل المقال
..
متواجدون
...
مشاهدات
...
كلمات
0
قراءة
0 د
نشر
12/03/2026
تحديث
12/03/2026
