القواعد الرسمية للكرة الطائرة وفق نظرة الاتحاد الدولي لكرة الطائرة (FIVB)
الكرة الطائرة هي لعبة سرعة وقوة، لكنها أيضا لعبة قانون دقيق وتكتيك متقدم. تحت المظلة التنظيمية للاتحاد الدولي للكرة الطائرة (FIVB) لا يقتصر الأمر على مجرد ضرب الكرة فوق الشبكة. بل يتعلق الأمر بمواقع اللاعبين المعقدة قبل الإرسال والتفسير القانوني لعبور الكرة في الفضاء الخارجي وحدود ما يُعرف بقاعدة الشاشة (Screen) التي تحاول حجب رؤية الخصم.
النسخة الجديدة من القواعد الرسمية للكرة الطائرة خلال الفترة الممتدة بين 2025 و 2028 تحمل معها تحديثات ليست مجرد تعديلات هامشية، بل هي تغييرات تهدف بالأساس إلى سد الثغرات التي كان يستغلها اللاعبون المهرة وتوضيح المناطق الرمادية التي كانت تسبب الجدل بين الحكام والفرق. فمن توضيح مواقع اللاعبين أثناء الإرسال لضمان دقة الدوران، إلى تشديد قاعدة الشاشة لمنع حجب الرؤية عن المستقبلين، وصولا إلى تنظيم عبور الكرة عبر الفضاء الخارجي بدقة هندسية.
تُعد هذه الفترة هي حقبة الدقة الفائقة في التشريع الرياضي. في هذا المقال التفصيلي سنحاول تحليل عميق لهذه التغييرات، كاشفين تأثيرها على استراتيجيات الفرق وكيف يجب على المدربين تكييف خططهم للمنافسة في السنوات الأربع القادمة.
التعديل الأول: إعادة تعريف النظام (توضيح مواقع اللاعبين أثناء الإرسال)
قاعدة الدوران (Rotation) في كرة الطائرة هي أساس اللعبة وضمان الالتزام بها أثناء الإرسال هو مفتاح لعدالة المنافسة. فإن التعديلات الجديدة تهدف بالأساس إلى جعل التحكيم أكثر سهولة ودقة.
أولا: التدقيق في الترتيب الأفقي والعمودي
التعديلات الجديدة في كرة الطائرة تركز على التوضيح الهندسي الدقيق لمواقع اللاعبين بالنسبة لبعضهم البعض في لحظة ضرب الإرسال. يجب أن يكون اللاعبون في الصف الأمامي أكثر قربا إلى الشبكة من نظرائهم في الصف الخلفي، ويجب أن يكونوا في المواقع الجانبية (4 و 2) أبعد عن المركز (3) بشكل دقيق.
في السابق، كانت بعض الفرق تستغل الغموض النسبي في تحديد المواقع بالتداخل (Overlapping) البسيط لتمكين ضاربين أقوياء من بدء الحركة مبكراً. التوضيح الجديد يتطلب من الفرق الالتزام بصرامة أكبر بالترتيب، مما قد يؤخر قليلاً تحرك بعض الضاربين السريعين، ويقلل من مفاجأة الخصم.
هذا التوضيح يسهل مهمة الحكام الثاني وحكام الخط في تحديد أخطاء الدوران (Positional Faults) بصريا أو عبر تكنولوجيا الفيديو بشكل أسرع وأقل جدلا.
ثانيا: الدقة في لحظة ضرب الإرسال
تؤكد القواعد الجديدة في كرة الطائرة على أن تحديد صحة الموقع يتم بدقة في اللحظة التي يضرب فيها اللاعب المُرسِل الكرة. قبل هذه اللحظة، يمكن للاعبين التحرك وبعدها مباشرة يمكنهم الانطلاق نحو مواقعهم الدفاعية أو الهجومية.
هذا التوضيح يزيد من أهمية قائمة التشكيل الأساسي المسلمة للحكم الأول، ويُلزم المدربين على مراجعة دقيقة لترتيب الدوران في كل شوط.
التعديل الثاني: هندسة المسار (تنظيم عبور الكرة عبر الفضاء الخارجي)
تُعد هذه واحدة من أكثر النقاط تعقيدا هندسيا وفلسفيا في قواعد الكرة الطائرة وتتعلق بمرور الكرة خارج أعمدة التحديد (Antennas) حول الشبكة.
تعريف الفضاء الخارجي (External Space)
إذا كانت القاعدة الأساسية في كرة الطائرة أن الكرة يجب أن تعبر فوق الشبكة داخل ما يُعرف بفضاء العبور (Crossing Space) وهو المساحة المحددة عموديا فوق الشبكة بين أعمدة التحديد. فإن التنظيم الجديد لعبور الكرة الطائرة يركز على السيناريوهات التي تخرج فيها الكرة إلى الفضاء الخارجي ثم تعود إلى نفس الملعب بعد لمس الفريق المستقبل لها. إذا لمست الكرة القادمة من الإرسال الفضاء الخارجي (خارج العمود) ولم يُلمسها الخصم، فهي تُعتبر خطأ آوت (Out).
وبذلك، فإن التوضيح الجديد يعزز حق الفريق في حماية مساحته الجوية بالكامل. أي محاولة لمس الكرة من الفضاء الخارجي من جانب الخصم يجب أن تكون حذرة جدا لضمان عدم ارتكاب خطأ. هذا يؤثر على زوايا الصد أو الدفاع السلبي بالقرب من جوانب الشبكة.
استخدام أعمدة التحديد (Antennas)
العمودان (Antennas) هما جزء من الشبكة ويُعتبران امتدادا عموديا للخطوط الجانبية. أي لمس للكرة بالعمود أو بأي جزء من الشبكة خارج الأعمدة عند عبور الكرة يُعد خطأ (Fault) ويمنح النقطة للخصم. التعديلات غالبا ما تشدد على عدم التلاعب بمسار الكرة لتجنب العمود.
وبذلك أصبح من الضروري الآن التأكيد على أن الكرة التي تعبر الفضاء الخارجي وتُعاد من قِبل الفريق الذي استقبلها يجب أن تعود أيضا داخل فضاء العبور للخصم لإكمال التبادل الهجومي. هذا يزيد من صعوبة اللعب الدفاعي على جوانب الشبكة.
التعديل الثالث: حرب الرؤية (تشديد قاعدة الشاشة أثناء الإرسال)
يمكن تعريف الشاشة (Screening) بكونها محاولة من الفريق المُرسِل لحجب رؤية الفريق المُستقبِل للكرة أثناء الإرسال، وهي محظورة قانونا. لذلك جاءت التعديلات الجديدة لكرة الطائرة لجعل الإرسال معتمدا على المهارة وليس على خداع الرؤية.
تعريف التحجب غير القانوني (Illegal Screen)
تحدث الشاشة عندما يقوم لاعب أو مجموعة من اللاعبين في الفريق المُرسِل بحجب رؤية الخصم عن المُرسِل أو مسار الكرة. تكون الشاشة غير قانونية في حالتين رئيسيتين:
- التجمع القريب: إذا قام لاعبان أو أكثر بالتجمع بالقرب من بعضهم البعض وقربهم من المُرسِل، وكانوا يلوحون بأيديهم أو يقفزون بشكل متزامن، مما يحجب رؤية مسار الكرة على الفريق المُستقبِل.
- النية الواضحة: إذا كانت أيدي اللاعبين أو أجسامهم مرتفعة بشكل واضح ومصممة لحجب رؤية اللاعبين في الصف الخلفي للفريق المُستقبِل.
القواعد الجديدة في الكرة الطائرة تشدد على منع اللاعبين من التجمع بشكل يمنع الرؤية الواضحة لمُرسِل الكرة. إذا تجمع لاعبو الصف الأمامي (3 لاعبين) بالقرب من بعضهم البعض أو قاموا بتحريك أذرعهم بشكل متزامن أثناء الإرسال القفزي، فإن هذا يُحتسب "شاشة".
المسافة والتوقيت:
أصبح التركيز أكبر على توقيت حجب الرؤية، إذا حدث الحجب في اللحظة الحاسمة التي يضرب فيها المُرسِل الكرة، يُحتسب الخطأ. هذا التشديد يفرض على المدربين تدريب اللاعبين على الانتشار السريع أو استخدام تكتيكات الشاشة السلبية (أي الوقوف بعيدا عن مسار الإرسال).
مسؤولية الحكم الأول:
يُعد قرار الحكم بشأن الشاشة قرارا ذاتيا يعتمد على ما إذا كان حجب الرؤية كان متعمدا أو فعالا في إعاقة رؤية الفريق المستقبل. التعديلات الجديدة في رياضة كرة الطائرة توفر للحكام معايير أكثر وضوحا لتقييم نية اللاعبين، وتوجيه إنذار قبل احتساب الخطأ في حال كانت الشاشة بسيطة وغير مقصودة في البداية.
التعديل الرابع: مرجعية التطبيق (إضافة كتاب الحالات Casebook 2025)
لا يمكن لأي قانون أن يغطي كل السيناريوهات المحتملة. لذا، فإن إصدار كتاب الحالات في كرة الطائرة هو خطوة حاسمة نحو توحيد القرارات التحكيمية. وبذلك فإن كتاب الحالات ليس قانونا، بل هو مجموعة من الأمثلة التوضيحية التي تصدر عن FIVB لمساعدة الحكام على تفسير المواد القانونية في مواجهة مواقف اللعب المعقدة والمثيرة للجدل.
دور كتاب الحالات في توضيح الغموض:
يمكن تعريف كتاب الحالات (Casebook) بأنه وثيقة مرفقة بالقواعد الرسمية، توفر تفسيرات وحلولا مُعتمدة لمواقف تطبيقية حقيقية حدثت بالفعل في المباريات. على سبيل المثال: كيف يجب أن يتعامل الحكم مع حالة لمس الكرة حافة الشبكة ثم عمود التحديد في آن واحد؟
تكمن الأهمية الكبرى لهذا الكتاب في ضمان أن الحكام حول العالم يتخذون نفس القرار في نفس الموقف. هذا يقلل من الجدل التحكيمي ويزيد من مصداقية المسابقات الدولية.
التدريب والاجتهاد التحكيمي:
يُعد كتاب الحالات أداة تدريبية لا غنى عنها للحكام والمدربين، حيث يسمح لهم بفهم روح القانون وليس فقط نصه. وبذلك مع وجود مرجعية مُعتمدة، يقلل الكتاب من مساحة الاجتهاد الشخصي للحكام، مما يضمن اتخاذ قرارات سريعة وموثوقة. وبالتالي فإن فهم الحالات يساعد المدربين في اتخاذ القرار السريع والصحيح حول ما إذا كان يجب طلب مراجعة الفيديو (Challenge) أم لا، مما يحافظ على عدد التحديات المحدودة الممنوحة للفريق.
وبشكل عام، إن إضافة كتاب الحالات 2025 كمرجع تطبيقي، يُصبح لزاما على الفرق والمدربين إتقان هذه الشفرة الجديدة، لأن التميز التكتيكي في السنوات القادمة لن يكون ممكنا دون الالتزام التام بالهندسة الدقيقة للقانون.
وخلاصة القول، تُظهر هذه القواعد الأربعة التي أشرنا إليها آنفا، أن لعبة الكرة الطائرة هي مزيج استراتيجي من الرياضة والقانون. إنها تفرض على اللاعبين ليس فقط القوة والسرعة، بل الوعي الحركي الدقيق والالتزام بالبروتوكولات التكتيكية في أجزاء من الثانية. النجاح في مستويات النخبة يعتمد على استيعاب هذه التفاصيل وتحويلها من قيود قانونية إلى مزايا تنافسية حاسمة على أرض الملعب.
خاتمة:
وفي الختام، تمثل قواعد FIVB للفترة 2025-2028 خطوة نحو كرة طائرة تتسم بالشفافية التكتيكية والدقة الهندسية. من تحديد المواقع الصارم أثناء الإرسال ووضع حدود واضحة للمسار الجوي للكرة، إلى تجريم خداع الرؤية بقاعدة الشاشة، تفرض هذه المستجدات على المدربين إعادة صياغة استراتيجياتهم الدفاعية والهجومية. ومع تدعيم القواعد بكتاب الحالات 2025 كمرجع تطبيقي شامل، يدخل عالم الكرة الطائرة حقبة تتطلب من الجميع، لاعبين وحكاما، مستوى متزايدا من الالتزام بالهندسة الدقيقة للقانون لضمان التنافس العادل والمثير.
تحليل المقال
..
متواجدون
...
مشاهدات
...
كلمات
0
قراءة
0 د
نشر
13/10/2025
تحديث
13/10/2025
